
حبر القلم … سعيد التاربي.. أول فني مختبر وأول مسعف رياضي.. الإبرة الرحيمة التي داوَت سيئون بابتسامتها
2026-10-10: مقالات ارض السلام
✒️ : أحمد سعيد بزعل

تتواصل سلسلة حلقاتنا “هامات حضرمية“.. والتي نطل من خلالها كل مرة على هامة من هامات حضرموت الشامخة.. في الفن والأدب والفكر والعطاء.
والهامة التي نحملها اليوم تحمل الرقم (19).. كنا نتمنى أن نقدمها قبل هذا اليوم وهي بيننا.. تملأ الدنيا فناً وفرحاً.. ولكن شاءت الأقدار أن تأتي اليوم كحلقة تأبين ووداع.. لرجل رحل عنا جسداً وبقي فنه خالداً في وجداننا.
نقدمها اليوم والقلب يعتصره الحزن.. ولكن هكذا هي سنة الحياة.. أن نكرم هاماتنا أحياءً وأمواتاً.. لأنهم يستحقون أن نتذكرهم وأن نخلد ذكراهم.
* حين يرحل الفنان.. لا يموت.. بل يتحول إلى أغنية لا تنتهي.
اليوم سنتحدث عن هامة فنية حضرمية من طراز نادر.. هامة لم تكن مجرد فنان يغني.. بل كانت شاعراً وملحناً وعازفاً ونحاتاً ونجاراً وفناناً بكل ما تحمله الكلمة من معنى..
إنه الفنان الحضرمي الكبير حسن صالح أحمد تيسير باحشوان (أبو حسين).. الذي فجعنا بنبأ رحيله يوم الاثنين الماضي 12 أكتوبر 2026م عن عمر ناهز 75 عاماً.. بعد مسيرة حافلة بالعطاء والإبداع.

برحيله.. خسرت تريم وحضرموت واليمن عامة أحد أعمدة الفن الأصيل.. وأحد آخر حراس الموروث الغنائي الحضرمي.. تاركاً وراءه إرثاً غنائياً لا يوصف.. وموروثاً سيبقى شاهداً على عبقريته لعقود قادمة.
* أسرة فنية.. ومدرسة بكل المعاني
لم يأت فن حسن باحشوان من فراغ.. فهو ينحدر من أسرة فنية حشوانية عريقة تعد مدرسة فنية بكل المعاني.. أسرة فيها الشاعر والملحن وعازف الكمان وعازف الإيقاع والدنبق والهاجر.
هذه الأسرة هي التي شكلت معه أول فرقة فنية موسيقية في مدينة تريم في ستينيات القرن الماضي.. وكانت انطلاقته الحقيقية.
تكونت الفرقة من الأخوة:
الشاعر والملحن الكبير المرحوم محفوظ باحشوان.. والفنان كرامه (عازف والدنبق وهاجر).. والفنان التشكيلي والنحات القدير المرحوم شيخ (عازف كمان).. وعلي (إيقاع).. وسعيد (دف).. وحسن (مغني وعازف عود).. ومعهم ابن عمهم الشاعر والفنان القدير سالم عبيد باحشوان( عازف كمان).
وكانت أول سهرة تحييها الفرقة هي حفل زواج أخيهم علي في الساحة العامة أمام منزلهم.. وكانت تلك أول سهرة تقام خارج المنازل.. ومن هناك بدأت الحكاية.
* فنان شامل.. شاعر وملحن ومطرب في جسد واحد
ما يميز حسن باحشوان أنه جمع المجد من كل أطرافه.. فهو:
فنان مخضرم.. وملحن مبدع.. وشاعر فذ مغمور ومهضوم.. وعازف عود متقن من الدرجة الأولى.. ونجار حرفي ماهر بل أحد كبار نجاري تريم.. وفنان في النحت والنقش والتشكيل على الأخشاب.
تخيلوا.. رجل واحد يجمع كل هذه المواهب! لذلك نقول أنه موهوب بالفطرة.. ويمتلك حساً فنياً لا يمتلكه إلا العباقرة.
تعلم الغناء والعزف على يد الفنان القدير المرحوم عيدروس بن سعيد الكاف والفنان سالم عبيد باحشوان.. ثم صقل نفسه بنفسه.. حتى أصبح أستاذاً ومعلماً نموذجياً للعود.
تأثر في بداياته بالفنان الكبير محمد جمعه خان والفنان محمد سعد عبدالله.. ثم شق طريقه ليكون له لونه الخاص وشخصيته الفنية المستقلة.
* أغانيه.. بصمة لا تُمحى
قدم باحشوان أعمالاً مستلهمة من الموروث الحضرمي الأصيل.. وأسهم في إبراز خصوصية الأغنية الحضرمية وألوانها.
من منا لا يعرف رائعته الخالدة “حولاة الليلة“.. تلك الأغنية التي أصبحت أيقونة في كل بيت حضرمي وكل سهرة دان.. لحنها وكلماتها تلامس القلب.. وتعيدك إلى ليالي تريم وسمرها الجميل.
وغيرها الكثير من الأعمال التي تغنى بها كبار الفنانين.. بل امتد أثر ألحانه إلى الساحة الخليجية.. ومن أشهرها أغنية “غصن البان” التي غناها الفنان الكويتي الكبير عبدالله الرويشد.. وهذا دليل على عبقرية لحنه الذي عبر الحدود.
كما تغنى بكلمات كبار الشعراء: حداد بن حسن الكاف.. حسين المحضار.. محمد جمعه خان.. عبدالقادر الكاف.. محمد سعد عبدالله.. وخالد الفيصل وغيرهم.
*مسيرة من العطاء
بدأ يغني وهو في المدرسة وعمره 13 عاماً.. وبدأ رسمياً وعمره 16 عاماً بأغنية “مالي المحبوب” و “طبنا وطاب السمر“.
وأول ظهور له في عدن كان عبر تلفزيون عدن في سهرة مع الفنان الكبير محمد مرشد ناجي.. وهناك عرفه الجمهور اليمني كله.
وأول لقاء صحفي معه كان في صحيفة 14 أكتوبر عام 1971م.
وكان عضواً مؤسساً في اتحاد الموسيقيين والفنانين اليمنيين عام 1972م بعدن.. وعضو بجمعية فناني حضرموت.. وعضو بفرقة الدان الحضرمي بتريم.
عمل موظفاً بالفرقة العسكرية الوترية بعدن تحت قيادة المايسترو حسين عبدالقوي.. ثم في شركة التجارة.. ثم فناناً متفرغاً في وزارة الثقافة.
*حق أدبي واجب:
وجب التنويه والشكر.. أنني استفدت كثيراً مما كتبته الباحثة والمؤرخة والخبيرة في مجال التراث اليمني الدكتورة بسمة محمد في صفحتها على الفيسبوك عام 2025م عن سيرة هذه الهامة الفنية.. فلها كل الشكر والتقدير على توثيقها سيرة هذه القامات.
*السيرة الذاتية:
– الاسم: حسن صالح أحمد تيسير باحشوان – اللقب (أبو حسين).
– الميلاد: تريم – حضرموت عام 1951م.
– ترتيبه السادس بين إخوانه العشرة.
– تلقى تعليمه في كتاتيب ومعلامات ومدارس تريم.
– له من الأبناء سبعة: ثلاثة أولاد (حسين – عبدالله – أحمد) وأربع بنات.
– بدأ العمل 1971م بالفرقة العسكرية الوترية بعدن.. ثم شركة التجارة 1975م.. ثم وزارة الثقافة كفنان متفرغ.
– عضو مؤسس لاتحاد الفنانين 1972م.. وعضو فرقة الغناء بتريم.. وفرقة الوادي.. وجمعية فناني حضرموت.. وفرقة الدان الحضرمي.. وجمعية آل باحشوان.. وجمعية تريم لخدمة التراث.
*الختام..
برحيل حسن باحشوان.. انطفأ عود.. وسكت صوت.. لكن ألحانه ستبقى ترددها الأجيال.
رحم الله الفنان الكبير حسن باحشوان.. وأسكنه فسيح جناته.. وعزاؤنا لأولاده السبعة: حسين وعبدالله وأحمد وأربع بنات.. ولآل باحشوان كافة.. ولتريم وحضرموت.
سيبقى إرثه الفني شاهداً على مسيرته وعطائه.. فالفنان الحقيقي لا يموت.
16 / 10 / 2026م
# ارض السلام
*حبر القلم.. لأن الكلمة موقف، والتاريخ أمانة.
#حبر_القلم #حضرموت #سيئون #أحمد سعيد بزعل




