
جامعة سيئون تستقبل وكيل محافظة حضرموت لشؤون المرأة وتفتتح استراحة ومصلى الطالبات والغرفة الصحية الطارئة بالحرم الجامعي بالغرف
2026-10-07: مقالات ارض السلام
✒️ أحمد سعيد بزعل

في سيئون، إذا ذُكرت الخدمة الإنسانية بلا مقابل، وذُكر الطب حين كان إنسانية قبل أن يكون وظيفة، ذُكر اسم لا يختلف عليه اثنان.. المساعد الصحي سعيد بن سعد التاربي.
ليس طبيباً يملك عيادة فاخرة، بل رجل بسيط بدراجته النارية وشنطته الصغيرة التي لا تفارقه، لكنه كبير بفعله، عظيم بعطائه، خالد في ذاكرة كل بيت في سيئون.
*من معلامة تاربة إلى عرب سكول في ممباسا
ولد سعيد أحمد سعيد بن سعد في 13 مايو 1925م في سيئون – منطقة تاربة – وادي بن سلمان، من أسرة آل بن سعد العريقة. بدأ تعليمه في المعلامة على يد الشيخ سعيد بن عوض بن سلمان، ثم سافر إلى كينيا والتحق بمدرسة عرب سكول في ممباسا عام 1948م حتى الأول ثانوي 1954م، ليعود إلى حضرموت.
وكان سنده في كل خطواته كما روى بنفسه في المقابلة القيمة التي أجرتها معه صحيفة سيئون في عددها رقم (52) لشهر أغسطس 2009م – وهي المرجع الأساس لهذا المقال مع حفظ الحق الأدبي الكامل للصحيفة – عمه صالح سعيد بن سعد الذي شجعه على الدراسة والمجال الصحي.
*البداية.. من المستشارية إلى تأسيس المستشفى
بدأ حياته العملية في 1 أبريل 1955م_ في المستشارية (إدارة مساعد المستشار السياسي البريطاني)، ثم عُيّن في مستشفى سيئون كمساعد ممرض، وكان المستشفى آنذاك مبنى التربية والتعليم حالياً.
هناك تعلم على يد الدكتور كفيل الدين أحمد (هندي) الذي كان يدرّبه صباحاً ويدرّسه مساءً مع زملاء أقدم منه كحسن بلفاس وعبدالرحمن السقاف وفاطمة العامري. وفي نهاية ديسمبر 1955م حصل على دورة تمريض في المكلا كانت نقطة انطلاقته، ثم توالت تأهيلاته في معهد المكلا: 1956م ممرض، و1957م رئيس ممرضين، و1958م مساعد صحي.
*أول فني مختبر في وادي حضرموت
التحول الأكبر كان عام 1963م، حين طلبت عدن فني مختبر يجيد الإنجليزية، فاختير ليقضي عاماً في عدن ويعود كـ أول فني مختبر في وادي حضرموت قاطبة، قبل ذلك كان الطبيب هو من يقوم بالفحوصات. وكانت إمكانيات المختبر لا تتجاوز ميكرسكوب وجهاز سهالي لفحص اليوريا والسكر، لكن الإرادة كانت أكبر.
ويشهد له موقف لا يُنسى، عُرض عليه البقاء في عدن براتب 750 شلن بينما راتبه في سيئون 150 شلن فقط، ومختبرات عدن أفضل تجهيزاً، فرفض كل الإغراءات وقال: فضلت خدمة أهلي ومنطقتي.
*طبيب الفقراء بدراجته النارية
لكن عمله الحقيقي لم يكن داخل جدران المستشفى الجديد الذي انتقل إليه 1964م، بل في أزقة سيئون.
كان يجوب معظم أحياء المدينة بدراجته النارية دون مقابل، لا يكل ولا يمل. بيته لا يُغلق، والجميع يأتيه ليلاً ونهاراً لضرب الحقن، وعلاج المرضى في بيوتهم، وحتى مساعدة النساء في إخراج المشيمة بعد الولادة حين كانت أغلبهن يلدن في البيوت.
*ابتسامة تُشفي قبل الإبرة
من عرف سعيد التاربي عرف البشاشة. رجل طيب، وجه بشوش، كلامه كله نصح. ولا يزال أهالي سيئون يتذكرون طريقته الفريدة، يأتيك بأسلوب وكلمات يقنعك بها، يلاطفك ويضحك معك حتى لا تشعر بأي ألم، يده خفيفة رحيمة. وبعد أن ينتهي يبتسم ويقول جملته الخالدة التي حفظها الصغار قبل الكبار: _”خلاص.. العافية جات لك” ثم يغادر بشنطته وابتسامته.
*المسعف الأول في ملاعب الوادي
وللرجل وجه آخر، فهو أول مسعف رياضي في وادي حضرموت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. كان محباً لكرة القدم، فكان أول من ينطلق مسرعاً إلى داخل الملعب حاملاً حقيبة الإسعافات الأولية لإسعاف اللاعب المصاب، تطوعاً من ذات نفسه.
*من أين جاء لقب “التاربي“؟ ومسكنه
روى لصحيفة سيئون أن السيد أبوبكر بن شيخ الكاف جاء مرة إلى المستشفى وسأل الدكتور كفيل الدين عنه: من هذا الولد؟ قال: سعيد بن سعد. قال: من أين؟ قال: من تاربة. فقال الكاف: “سعيد التاربي“، ومن بعدها انتشر وشاع.
ويقول الباحث الأستاذ غالب الحامد أن العم سعيد التاربي سكن أولاً عند صديقه أحمد عبد هود بساحة طه بسيئون ومن ثم بساحة قيدان بيت بامخرمة، أما بيته الحالي فقد آلت إليه قطعة الأرض من المرحوم بدر بن عبدالله الكثيري وهي محل إحدى خرائب حصون المصلي اليافعية وكانت تسكنه المرحومة صومانية وضانتها مضرب المثل “ضانة صومانية“.
*طبيبي الأول.. والخلف الصالح
أنا كاتب هذا المقال، لي ولأسرتي معه قصص لا تُنسى، فهو طبيبي الأول الذي أحببته منذ صغري، ولست وحدي، فلا يكاد يوجد بيت في سيئون إلا وله مع هذا الرجل قصة.
وقد غرس في أبنائه ما تربى عليه: حب الناس وفعل الخير. فأبناؤه اليوم خير خلف لخير سلف، ساروا على نهجه في نفع الناس، وهم _هني وعمر، وصديقي وأخي الذي ترعرعت أنا وهو منذ الصغر علي، وهو الولد الأصغر الذي كان له مكانة خاصة في قلب والده.
أما وصيته الخالدة التي تركها للأطباء الشباب فكانت: “أن يحمدوا الله على الإمكانيات التي بين أيديهم، وأن يعطوا العمل حقه دون النظر إلى المادة، وأن يتقوا الله في المريض الذي يسلم نفسه إليهم“.
*ختاماً.. ذكرى لا تموت
لقد رحل الحاج سعيد التاربي عن دنيانا الفانية صباح الاثنين 19 أبريل 2010م عن عمر ناهز 85 عاماً قضى معظمه في العمل الصحي منذ تأسيس مستشفى سيئون، وأُحيل للتقاعد عام 1995م بعد 40 عاماً من الخدمة.
*وللعم سعيد ست بنات وثلاثة ذكور.
يوم رحيله، خرجت سيئون عن بكرة أبيها لتودعه في جنازة مهيبة تليق به، لأن من زرع الحب في قلوب الناس حصده دمعاً ودعاءً.
رحم الله العم سعيد رحمة واسعة، وجعل كل إبرة ضربها وكل بيت طرقه في ميزان حسناته.
# مقالات ارض السلام
حبر القلم.. لأن الكلمة موقف، والتاريخ أمانة.
#حبر_القلم #حضرموت #سيئون #أحمد سعيد بزعل



