
حبر القلم.. هامات حضرمية (17)
2026-10-03
: مقالات ارض السلام
بقلم / أحمد سعيد بزعل
شعر المدارة ليس كلاماً يقال وينتهي..
المدارة هي ديوان حضرموت المتحرك.. هي مجلسها.. هي محكمتها العرفية.. هي فرحها وحزنها..
هي الحلقة التي يجتمع فيها الشعراء والمغنون والراقصون على إيقاع الطبول والزمن الجميل.. يترجل فيها الشاعر مرتجلاً وليد اللحظة.. يرد على خصمه ببيت.. ويرحب بالضيف ببيت.. ويعالج قضية مجتمعه ببيت.
ولكن.. ماذا حدث؟
في الفترات الأخيرة أصبح الشعر في بعض المدارات نفاقاً ومدحاً زائداً عن حده.. مدح لأشخاص ومكونات.. وهذا هو الذي جعل شعر المدارة ينزلق في اتجاه آخر لا يليق به.
لو رجعنا إلى الخلف.. إلى أيام عمالقة المدارة.. _محمد عوض الحباني وحسن باحارثة وناصر بن ناصر_ وصالح ربيع وكربان وغيرهم الكثير .. كيف كان شعر المدارة؟
كان كلاماً موزوناً وقوياً.. يهم المواطن والمدينة.. يعالج قضية.. يطرح هماً.. لذلك كنا نرى في اليوم الثاني زحمة أمام استديوهات التسجيل للحصول على كاسيت هذه الأمسية.. لأن الناس وجدت فيه كلاماً يمثلها.
أما اليوم فالشعر أصبح تمجيداً لشخص.. وتطبيلاً لمكون.. وإذا تابعت الأمسيات تجد الكلام مكرراً.. لا جديد فيه.. لا رسالة فيه.
وأنا هنا لست أهاجم الشعراء.. فبيننا شعراء لهم تاريخ كبير ونحترمهم ونقدرهم.. ولكنهم تأثروا بما يسمعونه.. فانجرفوا مع التيار.. وتركوا الإبداع الحقيقي وذهبوا وراء ما يطلبه الجمهور أو ما يطلبه الداعم.
وللأسف تحولت بعض مداراتنا من منصة لزرع المحبة إلى منصة لبث الفتنة.. ومن منبر للحكمة إلى منبر للشتم والتفاهة..
بعض الشعراء – وأقولها بحسرة – ظن أن الشعر هو أن يخوض في السفاسف.. في الأعراض.. في الكلمات البذيئة التي يندى لها الجبين.. ظن أن قهقهة الجمهور وضحكهم دليل على نجاحه.. وهو لا يعلم أنه يسقط من أعين الرجال في كل ضحكة!
أيها الشاعر.. قف هنا!
إن ضحك لك الناس اليوم على كلمة سفيهة قلتها في المدارة.. سيضحكون غداً عليك أنت..
الناس قد تضحك للمهرج.. لكنها لا تحترمه أبداً.
هل هذا هو شعر حضرموت التي نشرت الإسلام في شرق آسيا بأخلاق أهلها؟
هل هذا هو إرث المحضار وحداد وبلفقيه؟
ومهما حصلت من فلوس من هذا الإسفاف.. والله لن تنفعك..
ستسأل عن كل كلمة قلتها.. عن كل فتنة زرعتها بين فئتين.. عن كل شتيمة رميت بها بريئاً لترضي صاحبك.
المجتمع فيه من القضايا ما يكفي لنطرحه في المدارات..
حدثونا عن الفساد.. عن غلاء المعيشة.. عن انقطاع الكهرباء.. عن ضياع الشباب.. عن المخدرات.. عن قطيعة الرحم..
حدثونا عن المحبة.. عن التسامح.. عن لم الشمل..
هذا هو الشعر الذي نحتاجه.. هذا هو الشعر الذي يبني ولا يهدم.
وكلمة حق لا بد أن تقال..
رغم كل هذا التراجع.. هناك شباب قادمون بقوة في مجال شعر المدارة.. شباب مثقف.. واعي.. يحمل موهبة حقيقية وحماس كبير.. نرى فيهم الأمل لعودة المدارة إلى رسالتها الأولى.
رسالتي لهؤلاء الشباب: أرجوكم.. لا تتأثروا بما تسمعونه من إسفاف هنا وهناك.. اجعلوا لكم خصوصية في شعركم.. اجعلوا لكم بصمة.. قولوا كلاماً يخدم أهلكم ومحافظتكم.. قولوا كلاماً يبقى.. لا كلاماً ينتهي بانتهاء الحفلة.
لا تجعلوا من المدارة حلبة لشتم الآخرين وتصفية الحسابات.. فالكلمة سلاح.. والشاعر الحقيقي هو من يستخدم سلاحه للدفاع عن مجتمعه.. لا للطعن في ظهره.
وتذكروا المثل الأصيل: ومن بيته من زجاج لا يرمي الناس بالحجارة..فكلنا عيوب.. وستر الناس ستر لكم.. ومن شتم الناس شتموه.. ومن احترم الناس احترموه.
أنتم أمل المدارة القادم.. فلا تخذلونا.. ولا تخذلوا حضرموت.
فهل سيعود شعر المدارة مثل ما كان.. أم سنظل في هذا الشعر الهابط؟
سؤال نضعه أمام شعرائنا الحقيقيين.. وأمام منظمي المهرجانات.. وأمام جمهور المدارة نفسه.. فالجمهور هو من يرفع الشاعر.. وهو من يسقطه.
ورسالة أخيرة لمنظمي الفعاليات:
أنتم شركاء في الإثم إن سكتم!
لا يكفي أن تدعو الشاعر وتترك له الحبل على الغارب.. اجلسوا مع الشعراء قبل المدارة.. ألزموهم بميثاق شرف..
قولوا لهم: ممنوع الخوض في الأعراض.. ممنوع الشتم.. ممنوع الكلام السفيه.. ممنوع زرع الفتن..
من يخالف.. أنزلوه من المنصة.. فكرامة المجتمع أهم من مجاملة شاعر.
اجعلوا من أشعارنا جسر محبة.. لا خنجر فتنة.
#ارض_السلام
#حضرموت -سيئون
#اليمن




