
جامعة سيئون تنظم منتدى للحوار بين الثقافات والتعايش المجتمعي بمشاركة أكاديميين وباحثين من اليمن وخارجه
2026-09-16
فريدريش إيبرت الألمانية تدشن برنامج تدريب المدربين في مهارات حل النزاعات
2026-09-20«الجامعة ليست مكانًا للتعلم فقط، بل مساحة للحوار واحترام الاختلاف وبناء ثقافة التعايش والسلام»
.: ارض السلام

تُعد الجامعات من المؤسسات التعليمية والمجتمعية التي لا يقتصر دورها على نقل المعرفة وإكساب الطلبة المهارات الأكاديمية والمهنية، بل تمتد مسؤوليتها إلى الإسهام في تشكيل الوعي المجتمعي وتعزيز القيم الإنسانية والاجتماعية التي تدعم التفاهم والتعايش بين أفراد المجتمع. فالجامعة ليست مجرد مؤسسة تمنح الشهادات العلمية، وإنما هي بيئة معرفية وثقافية تجمع الشباب من خلفيات وتجارب متنوعة، وتتيح لهم فرص التفاعل وتبادل الأفكار ومناقشة القضايا المختلفة، بما يسهم في تنمية ثقافة الحوار وترسيخ مبادئ الاحترام المتبادل وقبول الاختلاف.
وفي ظل ما تشهده المجتمعات من تحولات اجتماعية وثقافية وسياسية، تبرز أهمية دور الجامعات في إعداد جيل قادر على التعامل مع الاختلاف بصورة واعية ومسؤولة، بعيدًا عن التعصب والإقصاء. فالبيئة الجامعية توفر مساحة مناسبة لتعلم مهارات الاستماع والحوار والنقاش الموضوعي، وتساعد الطلبة على إدراك أن تعدد الآراء ووجهات النظر يمثل فرصة لإثراء المعرفة وتبادل الخبرات، وليس بالضرورة مصدرًا للخلاف أو الانقسام.
وتؤدي المناهج والمقررات الدراسية دورًا مهمًا في تعزيز هذه الثقافة من خلال تضمين موضوعات تتعلق بالمواطنة وحقوق الإنسان والتسامح والتنوع الثقافي وإدارة النزاعات وبناء السلام. كما يسهم أعضاء هيئة التدريس في ترسيخ قيم الحوار من خلال تشجيع الطلبة على التفكير النقدي، واحترام الآراء المختلفة، وإتاحة الفرصة للجميع للتعبير عن وجهات نظرهم في بيئة تعليمية قائمة على الاحترام والمشاركة.
ولا يقل دور الأنشطة الطلابية أهمية عن التعليم الأكاديمي، إذ تتيح الندوات والحلقات النقاشية والملتقيات الثقافية والمبادرات التطوعية فرصًا عملية للطلبة لممارسة الحوار والعمل الجماعي. ومن خلال هذه الأنشطة، يمكن للطلبة تطوير مهارات التواصل والتعاون، وبناء علاقات إيجابية مع زملائهم من مختلف الخلفيات الاجتماعية والثقافية، بما يعزز شعورهم بالانتماء إلى المجتمع الجامعي والمسؤولية تجاه الآخرين.
كما يمكن للجامعات توسيع دورها من خلال الشراكة مع المؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدني والمراكز البحثية لتنفيذ برامج ومبادرات مجتمعية تعزز ثقافة الحوار والتعايش. وتتيح هذه الشراكات للطلبة فرصة التفاعل مع القضايا التي يعيشها مجتمعهم والمشاركة في معالجتها، بما يساعد على ربط المعرفة الأكاديمية بالواقع العملي، وتعزيز دور الشباب في نشر قيم التفاهم والتعاون والمشاركة المجتمعية.
وفي المجتمعات التي تشهد نزاعات أو استقطابًا اجتماعيًا وسياسيًا، تكتسب الجامعات أهمية إضافية باعتبارها مؤسسات قادرة على توفير مساحات مشتركة تجمع الشباب حول أهداف معرفية وإنسانية تتجاوز اختلافاتهم. ويمكنها الإسهام في تعزيز ثقافة السلام من خلال تنظيم اللقاءات الحوارية والأنشطة المشتركة التي تشجع على فهم وجهات النظر المختلفة، وتنمية مهارات إدارة الخلافات بطرق سلمية، والبحث عن المصالح والقيم المشتركة.
وفي ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، يبرز أيضًا دور الجامعات في تعزيز الوعي الإعلامي والرقمي لدى الطلبة، وتمكينهم من التحقق من المعلومات والتعامل المسؤول مع المحتوى المتداول، والتمييز بين النقاش الموضوعي والخطابات التي تعزز الكراهية والتعصب. كما يمكن توظيف هذه المنصات في نشر الرسائل التوعوية وتنظيم الحوارات الطلابية وإطلاق المبادرات التي تشجع على احترام الاختلاف والتواصل الإيجابي.
ولا يقتصر أثر هذه الممارسات على البيئة الجامعية، بل يمتد إلى المجتمع من خلال انتقال ما يكتسبه الطلبة من مهارات وقيم إلى محيطهم الاجتماعي والمهني. فالطالب الذي يتعلم احترام الآخرين والتعاون معهم وإدارة الخلافات بصورة سلمية يصبح أكثر قدرة على توظيف هذه المهارات في حياته اليومية، والمشاركة بصورة إيجابية في معالجة القضايا المجتمعية.
وعليه، فإن دور الجامعات في تعزيز ثقافة الحوار والتعايش يمثل جزءًا أساسيًا من رسالتها التعليمية والمجتمعية، ويتطلب تكامل الجهود الأكاديمية والإدارية والطلابية لتحويل هذه القيم إلى ممارسات راسخة داخل الحرم الجامعي وخارجه. فالجامعة التي توفر بيئة قائمة على الحوار والاحترام والمشاركة لا تسهم في إعداد كوادر مؤهلة علميًا ومهنيًا فحسب، بل تشارك أيضًا في بناء جيل واعٍ قادر على التعامل مع التنوع والاختلاف، وتوظيف معارفه ومهاراته في خدمة المجتمع وتعزيز التفاهم والتماسك الاجتماعي والتعايش السلمي بين أفراده.



